الشيخ الطوسي

75

التبيان في تفسير القرآن

نعمة من حيث هي جنة ، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في الدين . والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية ، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح ، وأصله الستر من قوله ( جن عليه الليل ) ( 1 ) إذا ستره . وقيل إن قوله ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) جواب لقول المشركين حين قالوا ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) ( 2 ) فقال الله تعالى ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) وقوله ( وإن لك ) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول له ( وإن لك ) يا محمد ( لاجرا ) أي ثوابا من الله على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها ( غير ممنون ) أي غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه منا إذا قطعه ، ويقال : ضعفت منتي عن السفر ، ورجل منين أي ضعيف ، ويجوز أن يكون المراد به إنه غير مكدر بالمن الذي يقطع عن لزوم الشكر ، من قولهم : المنة تكدر الصنيعة . وقال الحسن : معناه لا يمن عليك بأجرك . ثم وصف النبي صلى الله عليه وآله فقال ( وإنك ) يا محمد ( لعلى خلق عظيم ) قال الحسن : على دين عظيم ، وهو الاسلام . وقيل أدب القرآن . وقال المؤرج : معناه على دين عظيم بلغة قريش . وقالت عائشة : كانت خلق النبي صلى الله عليه وآله ما تضمنه العشر الأول من سورة ( المؤمنون ) ، فالخلق المرور في الفعل على عادة ، فالخلق الكريم الصبر على الحق وسعة البذل ، وتدبير الأمور على مقتضى العقل وفي ذلك الرفق والأناة والحلم والمداراة . ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح . وقيل : وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على جواب القسم . وقوله ( فستبصر ويبصرون ) معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون ، يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى ( بأيكم المفتون )

--> ( 1 ) سورة 6 الانعام آية 76 ( 2 ) سورة 15 الحجر آية 6 .